الأحد، 10 مايو، 2009

ذكريات من مملكة القمع والكبت

كلما إنزوى صاحب البركاسة إلى روحه يناجيها، تذكره بوحدته، وبالثلث الخالي الذي تذبل فيه الامال والكلمات والأفكار. فيعود الماضي ليطرح نفسه من جديد، ربما لأننا مجتمع يحكمه أجداده كما قال الشيخ. وتنطلق لعبة الذكريات المتدفقة  بلا هوادة وكأنها متتاليات الهندسة الوراثية.

يتذكر أول قبلة على كورنيش الجديدة، أول لمسة، أول نظرة، يتذكر صديقه المحترف كيف يصطاد السمك وكيف تبحر يداه بمهارة في محيط الجسد. يتذكر أولاد الملاح وهم يطلبون زكاة الحب، والتعري نصيب من رفض الدفع وعقاب كل حبيب شحيح.

يتذكر أيضا إحدى صديقاته في الطفولة المغتالة، كيف كان الذباب يتواطأ، ويتراكب في أشكال هندسية على كتاب القراءة المشترك، فتتسلل الضحكات، وينتبه المعلم فيضرب وينهر ولا بوح بسبب الضحك لكثرة الأدب وخطورة المقدس الجاثم على القلوب.

ومع مرور الوقت، يكبر الموروث ويصبح القانون الإجتماعي الوضعي أكثر ترسخا في الألباب. بالمقابل، تكثر القوالب وأعمال الشيطنة الجميلة التي تحتال على الموروث ولو خلف باب أو بين ثياب حبل الغسيل، وفي سبيل النضال من أجل هذا الهدف النبيل، كنا نتحمل حتى رائحة بيوت الراحة التي لا تريح، خصوصا إذا كان الإستعمال يتم بالإشتراك مع.

في هذه الفترة الزمنية، تتم كل الأعمال رغبة في منع المنع، لكن أعمال المقاومة الحقيقية تبدأ مع التقدم في التاريخ الإنساني للفرد. حيث مع هبوب رياح المراهقة، تصبح الأمور أكثر جدية، وأكثر إلحاحا، وصوت السجين المعتقل لا ينفك يتكرر على المسامع موسوسا كشيطان لا يمل ولا يكل، يتناوب على الأذنين اليمنى واليسرى، حاملا لافتاته ويناضل من أجل مطالبه ويهتف محتجا على التماطل وطول إنتظار بالليل والنهار، حتى يسحرك ويقنعك. وتنطلق قافلة التحرير قائمة بالواجب باحثة عن المحرمات اللذيذة.

في هذه الفترة الزمنية من التاريخ العربي والإسلامي، هبت علينا بدعة البارابول، ونعمة القنوات البورنوغرافية (عفوا للخطأ المطبعي المقصود، والنسخة الأولى للجملة هي نقمة القنوات البورنوغرافية). في الحقيقة لست أعرف إن كانت نعمة أو نقمة، على ما يبدو أنك أيها الشاب أو المراهق تعتبرها أو بالأصح إعتبرها لك الأخرون نقمة، لكنك ستصاب بزلزال فكري وعاطفي حين تستيقظ لتبول منتصف الليل، فتباغث شيخ القبيلة وضرغام الخيمة  حامي حمى الأسرة والدين يتفرج فاغرا فاه في الحور العين لاعنا أمك السمينة البغيضة، والحظ العاثر الذي وضعه في هذه البلاد الكحلة، و يده الجبارة تمسك بالأمل القادم كشلال أبيض.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، قررت الإيالة الشريفة الإستفادة من إختراع الفرنجة، الزاحف عبر الألياف البصرية القادمة من بلاد الصبليون، حاملة الكترونات بلاد الكفرة الزناديق، إنها معجزة الزمان وصنيعة الإنسان، ساحرة الألباب وفاتحة الأبواب، قاتلة الرقابة وإدمان الكذابة: للا مولاتي إنترنيت.

تسع وثمانون موقعا أو يزيد توفر لك خدمات اللقاء مع فتيات من  الجابون والغابون بدل فتيات البلاد اللواتي يرفعن البارة، وحتى الفتيات انصرفن عن أولاد الحومة إلى مطاردة فرسان الجزيرة العربية الغنية بالدولار ولو عن طريق التعري المباشر أمام الكاميرا وتشويه سمعة مملكة التصوف وإمارة المؤمنين في اليوتوب.

عاش التطور التكنولوجي لكن أبنائنا لا يجيدون إستخدامه. قال الشيخ. تعال يا ولدي وافتح لي حسابا في الأم أس أن، وتذكر العنوان جيدا، أما كلمة السر فأنا كفيل بحفظها، وإياك أن تقرصن حسابي الخاص. ما هكذا علمنا ديننا الإسلامي الحنيف.

لكن لسوء الحظ، ينسى الشيخ الدمدومة أن يغلق الحساب كلما خرج من السيبير، فتضطر الى أن تتبعه الى الحاسوب بعد خروجه فتغلقه بالطريقة الصحيحة، فإن سقط في عينيك، فلا داع لأن يسقط في عيون الاخرين، ودائما أبدا لأن الدين الحنيف أمر بالستر، حتى لو تعلق الأمر بنزوات الحاج العنكبوتية.

تم تنزوي الى مساحة من الوحدة، وتتذكر هذه الحوادث، تلعن الأخرين وأفعالهم ونفاقهم وتناقضاتهم، ثم تاتي بمثل ما فعلوا أو يزيد. وفي كل مرة تقسم أن تكون هذه اخر مرة، وأنك ستصلي وتصوم، كلما فعلتها وتعوم. لكن تجري الرياح بما تشتهي، لا بما يجب أن يكون. والسبب في ذلك ربما هو سحر الأشياء التي تحدث لأول مرة، واللذة التي تحدثها الأمور التي تحدث لأول مرة لا تتكرر أبدا، رغم المحاولات والمطاردات العديدة التي تجعلنا نقع في فخ الإدمان، وشرور العادات السرية.

أيها الماضي العنيد، المتناقض، الكبير، المنتصب كاله معبود بحق أو بباطل.. إنك تسكنني وتشكلني سيدة فاشلة في الحب، فقط لترضي غرورك الشيطاني.