الثلاثاء، 19 نوفمبر، 2013

هل تمنع الحكومة التدخين في الأماكن العمومية؟ الجمعيات تترافع والفريق الاشتراكي يقترح قانونا والحكومة تشارك في مناظرة


لم يكن أطفال جمعية بدائل يعتقدون أن مسيرتهم (لنمشي من أجل الحياة) الصيف الفائت قد تستحيل نقاشا في السياسات العمومية يبغي اعتماد قانون لمنع التدخين في الأماكن العمومية. هؤلاء الأطفال، على غرار الجميع، يعلمون جيدا أن التدخين مضر بالصحة، حيث يسبب قائمة طويلة من السرطانات، على رأسها سرطان الرئة، أمراض شرايين القلب وأمراض الجهاز التنفسي. من أجل هذا سيخصص اليوم الوطني لمحاربة السرطان والذي يوافق 22 نوفمبر لمكافحة الدخان في المغرب.
عندما نتكلم عن التدخين تطفو على السطح صور السجائر، لكن الأمر أكثر تعقيدا، لقد تطور التبغ ومنتجاته وصانعوه ليلائم كل الأذواق والشرائح الاجتماعية. إلى جانب السيجارة هناك التبغ القابل للف "طابا"، والسيجار وغليون التدخين والشيشة، و"البيدي"، وهناك أيضا تبغ غير مدخن يستعمل عن طريق مضغ أوراق التبغ أو عن طريق الأنف "النفحة" أو "الكالة" حيث إن الاحتفاظ بقدر متوسط من التبغ في الفم نصف ساعة، يخلف قدرا من النيكوتين مماثلا لما يترتب عن تدخين أربعة سجائر.
التبغ... أرقام مخيفة
التبغ هو أخطر المجرمين، لأنه ثاني أهم أسباب الوفاة على الصعيد العالمي. ولنتأمل المعطيات التالية: يقتل التدخين كل سنة حوالي خمسة ملايين من البشر، وهذا العدد المخيف لا يعادل ما تسبب فيه أمراض السيدا والسل والملاريا مجتمعة، واحد من ضمن 3 رجال مغاربة مدمن على تدخين التبغ، أي أن ثلث الرجال مستهلكون لهذه المادة، المغرب أحد أكبر مستهلكي الدخان في المنطقة المتوسطية، حيث يستهلك ما يزيد عن 15 مليار سيجارة في العام.
النساء المدخنات أكثر عرضة للخطر، لأن الربط بين التدخين وحبوب منع الحمل يزيد بشكل ملحوظ مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، ويشجع على تشكيل جلطات الدم. كما يساهم التبغ أيضا، بواسطة خاصياته المضادة للأستروجينات، في تقدم مبكر لسن انقطاع الطمث.
المدخن المغربي يصرف في المتوسط 22 درهما يوميا ليدخن وهو ما يمثل حوالي 30%من الحد الأدنى للأجور، في مقابل درهم أبيض واحد في السنة ليقرأ ويشتري الكتب (مجلة ايكونوميا-فبراير 2010).
 
المجتمع يتحرك.. في انتظار الحكومة
يبدو أن المغاربة لن يقفوا مكتوفي الأيدي إلى الأبد أمام سجائر تقتل أبنائهم كل يوم، وتتربص بهم في كل الأمكنة في الشارع والمقهى والإدارات ووسائل النقل والمدارس والمصانع، حيث لم تعد حملات وجوائز "مدارس بدون تدخين" و"مستشفيات بدون تدخين" تكفي امام هذا الدخان الذي يغير لونه وشكله وحجمه حتى ينفذ إلى الناس من كل المنافذ.
في هذا الظرف تبدو الحاجة ماسة الى اجراءات تهم السياسات العمومية. أول الغيت مع حملة مناصرة في أفق اليوم الوطني لمحاربة السرطان الذي يصادف يوم 22 نونبر 2013 أطلقتها جمعية لالا سلمى لمحاربة داء السرطان بشراكة مع وزارة الصحة من اجل تسريع مسلسل تصديق الاتفاقية الاطار لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة التبغ في المغرب، حيث ثم عقد مناظرة وطنية يوم الاربعاء 13 نونبر بالرباط.
وفي اخر تقرير لها، ذكرت الشبكة المغربية من اجل الدفاع عن الحق في الصحة بأن المغرب يعد البلد الوحيد في اقليم الشرق العربي الذي لم يصادق بعد على الاتفاقية الإطار للمنظمة العالمية للصحة المتعلقة بمحاربة ومكافحة التدخين والتبغ الى جانب دولة الصومال. وانتقدت السياسات الحكومية في هذا المجال "فرغم توفر المغرب على قانون يتعلق بمنع الإشهار والدعاية للتبغ ومنع التدخين في الأماكن العمومية منذ التسعينات فانه على مستوى الواقع ظل دون تنفيذ الى يومنا هذا". وأضافت أن "أخطر ما في الأمر هو ان تطبيق قانون منع التدخين يتعرض لخروق سافرة حتى من قبل بعض الوزراء في الحكومة ومسؤولين بالإدارات العمومية الدين يدخنون امام الرأي العام وفي الادارات والأماكن العمومية وفي المؤسسات التعليمية والمستشفيات".
كما كانت جمعية بدائل للطفولة والشباب دشنت حملة للترافع الصيف الماضي بمسيرة وطنية في الرباط جعلت لها مطلبين أساسيين هما تفعيل القانون المتعلق بمنع التدخين والإشهار والدعاية للتبغ في الأماكن العمومية ومطالبة الحكومة بتسريع إصدار النصوص التطبيقية الكفيلة بتنزيل هذا القانون الذي أصبحت الحاجة جد ملحة لتطبيق أحكامه ومقتضياته، ومن أجل المطالبة بالموافقة على الاتفاقية الإطار للمنظمة العالمية للصحة المتعلقة بمحاربة ومكافحة التدخين والتبغ، والتي خرجت إلى حيز الوجود بتاريخ 21 ماي 2003.
هذا النقاش المجتمعي وجد صداه في البرلمان، حيث عمد الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين إلى عقد يوم دراسي حول مقترح قانون يرمي الى منع التدخين في الأماكن العمومية يوم الاثنين 11نونبر.
في ساحة مالكي ناصية السياسات العمومية، لدى وزارة الصحة العديد من البرامج لمحاربة التدخين والإدمان وشتى اشكال المخدرات، وتقوم بالعديد من الانشطة تهدف إلى تحسيس الشباب والساكنة، حماية غير المدخنين، والتشجيع على الاقلاع عن التدخين، وفق شراكة استراتيجية مع جمعية لالا سلمى لمحاربة داء السرطان أساسا. كما لا يخفى الجهد الذي تبدل الوزارة الصحة في الاستراتيجية الوطنية لتعزيز صحة الشباب والصحة المدرسية والجامعية أساسا.

هل ستنقرض السجائر يوما من المحلات التجارية؟
يبدو هذا الاحتمال بعيدا جدا، لكن هناك مؤشرات على ان السياسات العمومية بدأت تتحرك في اتجاه تطويق التبغ وأخطاره، وذلك كله بفضل حيوية المجتمع المدني الذي بات مقتنعا أكثر من أي وقت مضى أن الحق في الصحة هو حق أساسي، خصوصا ما تعلق بتعزيز أنماط العيش الصحية. الى جانب السياق الدولي، حيث ثم تخصيص يوم عالمي "بدون تدخين" وهناك مرجعيات دولية من صكوك واتفاقيات تقودها منظمة الصحة العالمية في هذا الشأن. طبعا، الانطلاقة في محاربة التدخين تنطلق من اجماع شعبي وعلمي حول خطورة الظاهرة، حيث لا حلفاء له في المجتمع. لكن لماذا كل هذا التأخير في محاصرة هذه الظاهرة إذن؟
بعض الحكومات تنظر الى الأمر بشكل مختلف. بالنسبة لها، فالسجائر المباعة تعني مناصب شغل وضرائب تغذي ميزانياتها. كما أن بعض لوبيات التدخين لا تتوانى عن القيام بحملات الضغط من أجل الحفاظ على مواقعها أو تحصيل مكاسب، اخر هذه الحملات هي لسيدة تجوب أروقة البرلمان مع كل قانون مالية حيث تترافع من اجل ازالة بعض الضرائب عن شركات التبغ بحجة أن هذه الأخيرة قد تترك المغرب بسبب الضغط الضريبي وتسبب في بطالة الشباب العامل.

هذه المقاربة قاصرة من طرف الحكومات. كيف ذلك؟
تعرف الصحة تحولا وبائيا، حيث تتعاظم الامراض غير المعدية في مقابل تراجع الامراض المعدية. والأمراض غير المعدية اساسا هي امراض القلب والسرطان والجهاز التنفسي، وتتميز بارتفاع كلفة علاجها، كما يعتبر التدخين أحد أسبابها الرئيسية. لذلك فنقص التدخين لن يضر بمداخيل الدولة بقدر ما سيوفر عليها كلفة اضافية. هذا وعي متقدم واستثمار في صحة الأجيال المقبلة يجب ادراكه من طرف السياسيين.
إذا كان واضحا الان أن التدخين يضيف أعباء اضافية الى نظامنا الصحي، فمن البديهي أن يساهم المدخنون وشركات التبغ في تمويله، لذلك يبدو مطلب زيادة الضرائب حول المنتوجات التبغية مبررا، لكن يجب الإنتباه حتى لا نسيء استعمال مبدأ تضريب الشركات التي تحدث اضرار بالصحة العامة، فلا يجب ان تذهب تلك الاموال لتمويل شيء اخير غير الصحة.
فكرة أخرى يطرحها الاختصاصيون وهي حظر تسويق المنتوجات التبغية ووضع تحذيرات على العلب، وهنا يمكن للمغاربة أن يذهبوا بعيدا في محاربة التدخين عبر منع العلب الملونة وإجبار شركات التبغ على وضع صور تحذيرية عليها، ومنع بيعها للأطفال ممن هم أقل من 18 سنة.
وحسب الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة فإن الاتفاقية الاطار لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة التبغ والذي لم يصدق عليها المغرب بعد تتضمن عدة تدابير من شأنها الحماية من التعرض للتدخين وتنظيم محتويات منتجات والكشف عن منتجات التبغ و والتثقيف والاتصال والتدريب وتوعية المواطنين والإعلان عن التبغ والترويج له ورعايته والتدابير الرامية للحد من الطلب والحد من العرض بمنع الاتجار غير المشروع بمنتجات التبغ والمبيعات التي تستهدف القاصرين واستغلالهم لشراء وبيع السجائر بالتقسيط بواسطتهم. وتقديم الدعم للقيام بأنشطة بديلة ذات الجدوى الاقتصادية لحد من عرض التبغ والاتجار غير المشروع بمنتجاته، فضلا عن إجراءات أخرى تهدف إلى حماية البيئة وصحة الأفراد من مخاطره بالإضافة إلى عدة إجراءات أخرى كلها تهدف إلى مكافحة آفة التبغ وما يسببه للأشخاص والبيئة من مخاطر وما يلحقه بالمجتمع من تهديدات مختلفة. وتدعو الاتفاقية إلى اتخاذ إجراءات مالية وضريبية لتقليص الطلب على التبغ، وضمان الحماية من التعرض لأدخنته، وكذا منع الأنشطة الدعائية والترويجية لفائدته. وانتهت الشبكة في تقريرها بجانب تعزيز التشريعات الوطنية والاتزامات الدولية الى "مساعدة ودعم وإشراك جمعيات المجتمع المدني المهتمة في تنفيذ بالبرنامج الوطني لمكافحة التدخين بناء على متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية في خفض نسبة المدخنين ورفع معدلات الإقلاع عن التدخين وتقليل الآثار الصحية لمنتجات التبغ بناءا على مواد وبنود الاتفاقية العالمية لمكافحة التبغ (FCTC) والسياسات الست لمكافحة التدخين (MPOWER)".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق