السبت، 21 سبتمبر، 2013

انكماش الحكومة الى حكامة

الان وجدها السيد بنكيران، إنها الحكامة، الحل لكل المشاكل.
أطلت برأسها وإحتلت مكانها في ميثاق القضاء، بوليف يبشر بها ويمارس الدعوة لها في مناظرة وطنية، تتطفل حتى في حوار المجتمع المدني، وتبرز كعروس في المناظرة الوطنية للصحة، وفي كل الأعراس الحكومية المسماة مجازا حوارات وطنية.
قد يقول قائل أن صاحب هذه الكلمات كافر بالحكامة واثارها الحميدة. معاذ الله، لم نقصد هذا، و إن قصدنا أن نعيد فيها النظر ونتناولها بالشك والتمحيص والتحليل.
لعل الحكامة إحدى وصفات الصعود النيوليبرالي ما بعد التسعينات بتحقيق نجاعة أداء الإدارات العمومية، وعوضت مطلب دمقرطة الإدارة، وهي تشير إلى مجموع الإجراءات والتدابير المرافقة لعمليات اخذ القرار والإخبار والمراقبة من أجل السير الأمثل لدولة أو مؤسسة أو منظمة. ولها مبادئ تتلخص في المسؤولية والشفافية والمشاركة ودولة القانون. ويعمل الحكاماتيون على تعزيز الوصول إلى المعلومة، ومحاربة الفساد والرشوة، وانفتاح الإدارة على محيطها، وتدبير امثل للموارد، والاعتراف بحقوق الأجيال المقبلة وحماية البيئة وغيرها من مقادير الوصفة.
بعبارة أخرى، الحكامة هي مجموع عمليات إعادة التنظيم وتوزيع المهام، وتحميل ذوي الحقوق مهمة مسؤولية احقاق حقوقهم وتخفيف الضغط عن أصحاب الالتزامات (الدولة)، وبيع ما يشكل عبئا، أنها التدبير المفوض والخوصصة، وكل ما يمكن أن يحقق أهدافا بموارد أقل، واشراكا أكبر للقطاع الخاص ولو على حساب القطاع العام.
يجتهد أصحاب هذه الوصفة في تقديمها بعيدا عن كونها عقابا، بل ضرورة.
شخصيا، أحبذ أن أتعامل مع الحكامة ونسختها الحكومية بنوع من الحذر خوفا من ان تكون هي الأخرى مجرد "حكاية حمل كاذب". بوضوح اكبر، أدعو إلى مزيد من اليقظة حتى لا تصبح الحكامة وسيلة في يد النيوليبرالية من اجل تمرير مشروع "استقالة الدولة"، ولا تكون مبررا لتخلي الحكومة عن مسؤولياتها في احقاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب.

عودة إلى سياقنا المغربي، تستدعي حكومة بنكيران الحكامة، ليس لأخذ أجمل ما فيها من اشراك للجميع ومحاربة للفساد، فالحكومة لا تحاور إلا نفسها، والفساد قال له بنكيران (عفا الله عما سلف)، بل فقط لأنها تعمل على تحقيق أفضل نتائج بنفس الموارد، وهذا يناسب عجزهم وفشلهم في ابداع سياسات منتجة للثروة.
 انهم يريدون تقليص الحكومة الى مجرد "حكامة"، يريدون منها أن تقوم فقط بتنظيم المرور وإطعام العسكر النائم على الحدود. إن الدولة الجديدة في عرفهم مجرد "تريتور" ورجل أمن "سيكيريتي".
في قطاع الصحة مثلا الذي أهتم بمتابعته، مشكل الحكامة لا ينكره إلا من يعاني حولا، لكن تقديمها كحل سحري مجرد وهم وخدعة. فماذا عن دمقرطة الخدمات الصحية وعدالة الخريطة الصحية؟ وعن الميزانية الهزيلة للقطاع؟ وعن تخلي الدولة عن تصنيع الأدوية؟ وعن سياسات وقوانين في خدمة القطاع الخاص؟ وعن تبني نظام رئاسي في القوانين المنظمة لمستشفياتنا تجعل منها مجرد ضيعة (فيرما) في يد السيد المدير؟
الحكامة في نسختها البنكيرانية أقرب للتحكم، إنها تطرح السؤال كيف تحكم؟ وتتجاهل سؤوال من يحكم؟ ولمصلحة من يحكم؟
إنها الأسئلة الحقيقية التي لن يستطيع بنكيران وفريقه طرحها، فبالأحرى الإجابة عنها.
فبالأمس لعب دوره كاملا في تمويه النقاش حين نقلنا إلى معارك وهمية وأسئلة الهوية لدغدغة عواطف المغاربة. واليوم، سيستعمل رصيده الكامل لتنفيذ أجندة النيوليبرالية وخدمة مصالح الأقلية التي ينتمي إليها.
بلغة الرياضيات، الحكامة شرط لازم لكنه غير كاف.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق